مدونة ينبوع

المحور الثالث:المجتمع والسلطة رالف لينتون

المحور الثالث:المجتمع والسلطة
الإشكال:كيف يفرض المجتمع سلطته على الفرد؟
الإنشاء الفلسفي من إنجاز التلميذة يسرى بن يوسف:
يتأطر النص المطلوب تحليله ومناقشته ضمن المجال الإشكالي لمجزوءة الإنسان ضمن مفهوم المجتمع،و يدافع بشكل خاص عن قضية ضمنية تؤكد أن المجتمع يفرض سلطته على الفرد بواسطة التنشئة الاجتماعية عن طريق التحايل. من خلال هذا التحديد أؤطر النص إشكاليا على النحو التالي: كيف يعرف كل من الفرد،المجتمع،السلطة والتنشئة الاجتماعية معجميا؟وما دلالتهم في النص؟وكيف يفرض المجتمع سلطته على الفرد حسب لينتون؟وما الآليات الحجاجية المستعملة في تأكيد فرض المجتمع لسلطته على الفرد؟وبالمقابل هل يمكن اعتبار النظام الجزائي وسيلة لإخضاع الأفراد لسلطة المجتمع؟و من جهتي أتساءل:هل هناك آليات أخرى لإخضاع الأفراد الجدد لسلطة المجتمع؟
يقدم النص جوابا صريحا على الإشكال الضمني:كيف يفرض المجتمع سلطته على الفرد؟وللإجابة عن هذا السؤال وباقي الأسئلة المطروحة في المقدمةّ،أبدأ بتحديد البنية المفاهيمية للنص والتي تتكون من أربعة مفاهيم:الفرد،المجتمع،السلطة والتنشئة الاجتماعية.يعرف الفرد معجميا بالوحدة التي تتألف منها المجتمعات حسب معجم LA LANDE،أما دلالته في النص فيكمن في كونه العنصر المكون للمجتمع و الذي يخضع لسلطته بفعل التنشئة الاجتماعية عن طريق التحايل.كما يعرف المجتمع حسب معجم LA LANDE بجماعة من الأفراد الذين تربطهم علاقات منظمة وخدمات متبادلة،أما دلالته في النص،فهو مجموعة من المؤسسات الاجتماعية التي تفرض سلطتها على الفرد بواسطة التنشئة الاجتماعية.و تعني هذه الأخيرة في معجم مصطلحات علوم التربية،عملية اجتماعية يتم بواسطتها إدماج الأفراد داخل المجتمع من خلال تربيتهم وفق ما يرتضيه من قيم اجتماعية ونماذج ومعايير سلوكية،وتتم هذه العملية من خلال مجموع المؤسسات والعلاقات والطقوس الاجتماعية،وتتجلى دلالتها في النص في كونها عملية تثقيف الأفراد الجدد داخل المجتمع و فرض سلطته عليهم.في حين تعرف السلطة بقوة تفرض إما بالإكراه أو الالتزام و هي بطبيعتها ليست جزءا من ذات من يمارسها وإنما يستمدها من خارجها حسب معجم LA LANDE،بينما تتمثل دلالتها في النص في فعل إلزام يمارسه المجتمع على الفرد بهدف إخضاعه لقواعده.
حسب فهمي للنص،فإن لينتون يؤكد أن الفرد يخضع لتنشئة اجتماعية تتم عبر المؤسسات الاجتماعية المتعددة،فهي من جهة تكسب الفرد أنماط السلوك الخاصة بالمجتمع من طرق أكلٍ وشربٍ ولباسٍ ونومٍ و قواعد نظافة وتواصل،بالإضافة لطرق الاحتفال وقواعد التعبد المتجلية في كيفية أداء الصلاة وغيرها.ومن جهة أخرى،تلقنه أنماط التفكير وهي القيم الإنسانية،الدينية و الأخلاقية و غيرها،و هي تعلم طريقة التفكير وتحدد قواعد السلوك،فمثلا،نحن المسلمون نعتبر لحم الخنزير محرما و ذلك ينطبق على سلوكنا إذ لا نستعمله في الطهي.كما بين صاحب النص أن إشباع حاجات الفرد هي الوسيلة التي يستعملها المجتمع لتنشئة الفرد اجتماعيا و ترسخ أنماط السلوك الثقافية لديه،فالتنشئة الاجتماعية تتم عبر التحايل على الفرد وهذا التحايل عبارة عن إلزام الفرد بالامتثال للقواعد من أجل الحصول على حاجاته،ويتم لحظة الإشباع،ومثال ذلك الطفل،عندما يشتد جوعه يصبح حصوله على الطعام مشروطا بالقواعد،ما لم يشتد جوعه ليس بالإمكان فرض هذه القواعد،لكن عند الوصول للحد الأقصى فهو يصبح مجبرا على الاستسلام لإرادة من يكبرونه سنا،ومن هنا يتضح أن إشباع الحاجات لا يكون إلا بالامتثال.
من خلال هذا التحليل،أستنتج أن جواب لينتون على الإشكال الضمني هو أن المجتمع يفرض سلطته بواسطة التنشئة الاجتماعية عن طريق التحايل على الفرد و أستشهد على ذلك بقوله:”فهو يعض على طعم الإشباع المباشر والشخصي فتأسره صنارة التنشئة الاجتماعية”
إن النص موضوع التحليل ذو طبيعة حجاجية استعراضية يعرض فيه لينتون دور المجتمع في فرض سلطته على الأفراد بواسطة التنشئة الاجتماعية،والآليات الحجاجية المستعملة لذلك هي العرض،التمثيل و التفسير.استعمل العرض لتأكيد أن الفرد يخضع لتنشئة اجتماعية عبر المؤسسات الاجتماعية،وظف التمثيل لتبيين أنماط السلوك التي تنقل عبر الأجيال بواسطة التنشئة الاجتماعية و استخدم التفسير لإبراز أن إشباع حاجات الفرد هي الوسيلة المستعملة لتنشئته.
لمناقشة موقف التحليل،أستحضر موقف فرويد الذي يؤكد أن المجتمع يمارس نوعا من القهر الاجتماعي على الأفراد،وهو عبارة عن حرمان الفرد من إشباع رغباته أو القمع المتصل لها،ويمارسه المجتمع لأن إشباع رغبات الناس بشكل دائم يشكل تهديدا للمجتمع ووجوده فيضطر لكبتها.مثال ذلك الزواج،فهو مظهر من مظاهر كبت الرغبة الجنسية،والكبت هو تحديد طرق الإشباع ويتم ذلك بخلق المجتمع للأنا الأعلى لذى الفرد تلزمه بكبت رغباته.فأثناء عملية التنشئة تلزم الأنا الأعلى كل فرد بكبت رغباته بغية الامتثال للمجتمع لا لذاته،عكس الجانب الفطري للإنسان وهو الهو الذي يسعى لإشباع الرغبات،تحقيق اللذة وتجنب الألم،بينما يسعى الأنا الأعلى لتكريس مبدإ الواقع وهذا يبين طبيعة العلاقة بينهما والمتجلية في الصراع الدائم بينهما.يبين فرويد أن المجتمع ينشئ الفرد بواسطة نظام جزائي قائم على الثواب والعقاب.هذا النظام يقوم على مبدإ بسيط يقضي بأنه كلما كان سلوك الفرد متوافقا مع قواعد المجتمع ينتج عن ذلك ثواب أو مكافأة،وكلما كان الفرد مناقضا للقواعد الاجتماعية فهو يستحق العقاب يتجلى الهدف منه في الحصول على استجابات من الأفراد تتوافق مع القواعد التي يسعى المجتمع لتكريسها.و هذا النظام الجزائي قائم على القهر يجبر الفرد على إبداء استجابات تتناقض مع طبيعته،بحيث يؤدي خضوع الفرد للقهر الخارجي إلى التحول من الأنانية إلى الغيرية والشعور بالاغتراب وهو شعور بالانفصام الداخلي مما يجعل الفرد يتنازل عن غرائزه لصالح المجتمع ويتصرف عكس طبيعته ويخضع لقواعد المجتمع،كما يولد لديه شعورا بالقلق.بالنسبة لفرويد،الإنسان كائن يحكمه اللاشعور والهو،لكن نتيجة انصهاره في الذات الاجتماعية فهو يصبح فردا مضطرا لكبت رغباته الممنوعة اجتماعيا عن طريق الاستيهام والتخيل عوض إشباعها في الواقع.وهو يتفق مع لينتون في كون المجتمع يفرض سلطة تكبت رغبات الإنسان.ومن الناحية السيكولوجية،يعرف فرويد الإنسان المتحضر بكائن تتوافق سلوكه مع قواعد المجتمع.
من خلال هذه المناقشة،أستنتج أن جواب فرويد على السؤال المطروح هوأن المجتمع يمارس سلطته على الفرد باستعمال آلية النظام الجزائي،وأستدل على ذلك بقوله:”التربية والمجتمع يستخدمان نوعا من النظام الجزائي القائم على الثواب و العقاب”
و من خلال مقارنتي لموقفي التحليل والمناقشة،ألاحظ أن العلاقة بين الموقفين هي علاقة تضاد لأن لينتون يؤكد أن آليات التنشئة الاجتماعية تقوم على التحايل بينما تقوم حسب فرويد على نظام جزائي قائم على القهر،كما أن هناك علاقة تقاطع حيث أن كلا الموقفين يؤكدان أن الفرد يخضع للتنشئة الاجتماعية ويتفقان في كون الهدف منها إخضاع الفرد لسلطة المجتمع.
و أخيراً،و جواباً على تساؤلي الشخصي المطروح في المقدمة،فأنا أؤيد موقفي الفيلسوفين و أرى أن كل مجتمع لابد له من سلطة يتجلى دورها في تحقيق العدل والاستقرار والرخاء،ويمكن لهذه السلطة أن تُفرض على الأفراد الجدد عن طريق التحايل أي إلزام الفرد بالامتثال لقواعد المجتمع بُغية الحصول على حاجياته. فمثلاً، الطفل عندما يشعر بالجوع تُفرض عليه بعض القواعد من طرف أمه أو أبيه يمكن أن تتمثل في غسل الأيدي، البسملة و الأكل باليمين و في هذه الحالة يسهل فرض القواعد والأوامر عليه.و كذلك مثال التلاميذ، فإن أراضوا الحصول على نتائج مرضية عليهم الكد في العمل و بذْل مجهودات جبارة لتحقيق مبتغاهم،و بالتالي يصبح الوصول لهدفهم مقيّداً بضرورة المواظبة على العمل الجاد…كما يمكن فرض هذه السلطة عن طريق النظام الجزائي القائم على الثواب والعقاب والذي يجبر الفرد على التخلص والتنازل عن غرائزه لصالح المجتمع.و مثال ذلك الطفل المتوحش “فيكتور”،عندما كان يعيش في الطبيعة لم يكن يرتدي الملابس،ولكن بعد العثور عليه وعزْم الطبيب على إدماجه وسط المجتمع،أصبح ملزما بارتدائها ،و عندما بدأ يتعلم مجموعة من القواعد كان يُكافأ في كل مرة بكأس حليب كلما شرع في طلبه.وأنا أظن أنه يجب اعتماد كلٍّ من التحايل والنظام الجزائي منذ مرحلة الطفولة حتى تُرسخ لدى الفرد معظم قواعد المجتمع مما يسهل عليه تأقلمه معه،و لا أظن أن هناك آليات أخرى تتميز عن الآليتين السابقتين في تنشئة الأفراد.

Add comment